فصل: الآية رقم ‏(‏107 ‏:‏ 109‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏78 ‏:‏ 79‏)‏

‏{‏ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ‏.‏ ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ‏}‏

يقول تبارك وتعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم آمراً له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة لدلوك الشمس‏}‏ قيل‏:‏ لغروبها قاله ابن مسعود ومجاهد وابن زيد ، وقال ابن عباس‏:‏ دلوكها زوالها رواه نافع عن ابن عمر، وبه قال الحسن والضحاك وقتادة وهو الأظهر ، فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس، فمن قوله‏:‏ ‏{‏لدلوك الشمس إلى غسق الليل‏}‏ وهو ظلامه؛ أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله‏:‏ ‏{‏وقرآن الفجر‏}‏ يعني صلاة الفجر؛ وقد ثبتت السنّة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تواتراً من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه خلفاً عن سلف وقرناً بعد قرن كما هو مقرر في مواضعه وللّه الحمد، ‏{‏إن قرآن الفجر كان مشهودا‏}‏ قال‏:‏ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر‏)‏ يقول أبي هريرة‏:‏ اقرأوا إن شئتم ‏{‏وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا‏}‏ ‏"‏أخرجه البخاري في صحيحه‏"‏‏.‏ وعن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه‏"‏‏.‏ وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح، وفي صلاة العصر، فيعرج بالذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي‏؟‏ فيقولون‏:‏ أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم‏"‏‏.‏ وقال عبد اللّه بن مسعود‏:‏ يجتمع الحرسان في صلاة الفجر فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن الليل فتهجد به نافلة لك‏}‏ أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏صلاة الليل‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم عن أبي هريرة‏"‏، ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان بعد نوم قاله علقمة والأسود وإبراهيم النخعي وغير واحد ، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يتهجد بعد نومه، وقال الحسن البصري‏:‏ هو ما كان بعد العشاء، ويحمل على ما كان بعد النوم، واختلف في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نافلة لك‏}‏، فقيل‏:‏ معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجباً في حقه دون الأمة، رواه العوفي عن ابن عباس واختاره ابن جرير، وقيل‏:‏ إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره من أمته إنما يكفر عن صلواته النوافل الذنوب التي عليه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا‏}‏ أي افعل هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم تبارك وتعالى، قال ابن جرير‏:‏ قال أكثر أهل التأويل، ذلك هو المقام الذي يقومه محمد صلى اللّه عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم، عن حذيفة قال‏:‏ يجمع الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياماً لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى‏:‏ يا محمد، فيقول‏:‏ ‏(‏لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك ومنك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت‏)‏ فهذا المقام المحمود ذكره اللّه عزَّ وجلَّ، وقال ابن عباس‏:‏ المقام المحمود مقام الشفاعة، وكذا قال مجاهد والحسن البصري، وقال قتادة‏:‏ هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود‏.‏ قلت‏:‏ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد، فهو أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكباً إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر وارداً منه، وله الشفاعة العظمى عند اللّه ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما يسأل الناس آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول‏:‏ لست لها، حتى يأتوا إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم فيقول‏:‏ ‏(‏أنا لها، أنا لها‏)‏، كما سنذكر ذلك مفصلاً في هذا الموضع إن شاء اللّه تعالى، ومن ذلك، أن يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها، وهو أول الأنبياء يقضى بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وهو أول شفيع في الجنة، وهو أول داخل إليها وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم، وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة لا تليق إلا له، وإذا أذن اللّه تعالى في الشفاعة للعصاة شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا اللّه تعالى، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك‏.‏ ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحود وباللّه المستعان‏.‏

روى البخاري، عن ابن عمر قال‏:‏ إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء، كل أمة تتبع نبيها يقولون‏:‏ يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه اللّه مقاماً محموداً‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول‏:‏ لست بصاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه اللّه مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم‏.‏ وعن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من قال حين يسمع النداء‏:‏ اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري عن جابر بن عبد اللّه‏"‏وعن أُبي بن كعب، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي بن كعب‏"‏‏.‏

حديث أنَس بن مالك، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك، فيقولون‏:‏ لو شفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون‏:‏ يا آدم أنت أبو البشر، خلقك اللّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا‏.‏ فيقول لهم آدم‏:‏ لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربه عزَّ وجلَّ من ذلك، ويقول‏:‏ ولكن ائتوا انوحاً فإنه أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً، فيقول‏:‏ لست هناكم، ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول‏:‏ ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتوه، فيقول‏:‏ لست هناكم، ولكن ائتوا موسى عبداً كلمه اللّه وأعطاه التوراة، فيأتون موسى فيقول‏:‏ لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول‏:‏ ولكن ائتوا عيسى، عبد اللّه وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول‏:‏ لست هناكم، ولكن اتئوا محمداً غفر اللّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني - قال الحسن هذا الحرف - فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين، قال أنَس‏:‏ حتى استأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو خررت - ساجداً لربي، فيدعني ما يشاء أن يدعني، قال، ثم يقال‏:‏ ارفع محمد، قل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثانيه، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو خررت - ساجداً لربي فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني، ثم يقال‏:‏ ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت - أو خررت - ساجداً لربي، فيدعني ما شاء اللّه أن يدعني، ثم يقال‏:‏ ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فقال‏:‏ يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن‏)‏ فحدثنا أنَس بن مالك، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏فيخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه، وكان في قلبه ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا اللّه وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة‏)‏ ‏"‏أخرجاه في الصحيحين ورواه أحمد واللفظ له‏"‏‏.‏

الثاني حديث كعب بن مالك رضي اللّه عنه‏:‏ عن كعب بن مالك، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي عزَّ وجلَّ حلة خضراء، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء اللّه أن أقول، فذلك المقام المحمود‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد عن كعب بن مالك‏"‏‏.‏

الثالث‏"‏حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه‏:‏ عن أبي الدرداء قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك‏)‏، فقال رجل‏:‏ يا رسول اللّه، كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من بين أيديهم ذريتهم‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد أيضاً عن أبي الدرداء‏"‏‏.‏

الرابع حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه‏:‏ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال‏:‏ ‏(‏أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون ممَّ ذاك‏؟‏ يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض‏:‏ ألا ترون ما أنتم فيه مما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم‏؟‏ فيقول بعض الناس لبعض‏:‏ عليكم بآدم عليه السلام، فيقولون‏:‏ يا آدم أنت أبو البشر خلقك اللّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول آدم‏:‏ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون‏:‏ يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك اللّه عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول نوح‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله قط، وإنه قد كان لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم؛ فيأتون إبراهيم فيقولون‏:‏ يا إبراهيم أنت نبي اللّه وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى؛ فيأتون موسى عليه السلام فيقولون‏:‏ يا موسى أنت رسول اللّه، اصطفاك اللّه برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول لهم موسى‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى؛ فيأتون عيسى، فيقولون‏:‏ يا عيسى أنت رسول اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبياً، فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول لهم عيسى‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمداً صلى اللّه عليه وسلم؛ فيأتون محمداً صلى اللّه عليه وسلم، فيقولون‏:‏ يا محمد أنت رسول اللّه وخاتم الأنبياء، وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عزَّ وجلَّ، ثم يفتح اللّه علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال‏:‏ يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه، واشفه تشفع، فأرفع رأسي، فأقول‏:‏ أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب‏؟‏ فيقال‏:‏ يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال‏:‏ والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏‏.‏

وفي صحيح مسلم رحمه اللّه، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، وأول شافع وأول مشفع‏)‏ وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى ‏{‏عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه‏)‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إذا كان يوم القيامة مد اللّه الأرض مدّ الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه - قال النبي صلى اللّه عليه وسلم - فأكون أول من يدعى وجبريل عن يمين الرحمن تبارك وتعالى - واللّه ما رآه قبلها - فأقول‏:‏ أي رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليّ، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ صدق، ثم أشفع فأقول يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال فهو المقام المحمود‏)‏ ‏"‏أخرجه عبد الرزاق وهو حديث مرسل‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏80 ‏:‏ 81‏)

‏{‏ وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ‏.‏ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ‏}‏

عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا‏}‏، وقال الحسن البصري‏:‏ إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليقتلوه أو يطروده أو يوثقوه، فأراد اللّه قتال أهل مكة، أمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق‏}‏ الآية‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏أدخلني مدخل صدق‏}‏ يعني المدينة ‏{‏وأخرجني مخرج صدق‏}‏ يعني مكة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد، وهذا القول هو أشهر الأقوال، وهو اختيار ابن جرير، وقوله‏:‏ ‏{‏واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا‏}‏ قال الحسن البصري‏:‏ وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب اللّه، ولحدود اللّه، ولفرائض اللّه، ولإقامة دين اللّه؛ فإن السلطان رحمة من اللّه، جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم، قال مجاهد‏:‏ ‏{‏سلطانا نصيرا‏}‏ حجة بينة، واختار ابن جرير الأول، لأنه لا بدّ مع الحق من قهر، لمن عاداه ناوأه، ولهذا يقول تعالى‏:‏ ‏{‏لقد أرسلنا رسلنا بالبينات - إلى قوله - وأنزلنا الحديد‏}‏ الآية‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إن اللّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن‏)‏ أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع، وقوله‏:‏ ‏{‏وقل جاء الحق وزهق الباطل‏}‏ تهديد ووعيد لكفّار قريش، فإنه قد جاءهم من اللّه الحق الذي لا مرية فيه، ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه اللّه به من القرآن والإيمان، والعلم النافع وزهق باطلهم‏:‏ أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء ‏{‏بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق‏}‏‏.‏ عن عبد اللّه بن مسعود قال‏:‏ دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول‏:‏ ‏(‏جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي‏"‏‏.‏ وقال الحافظ أبو يعلى، عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ دخلنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً تُعبد من دون اللّه، فأمر بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأكبت على وجوهها، وقال‏:‏ ‏(‏جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا‏)‏

 الآية رقم ‏(‏82‏)‏

‏{‏ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم، إنه شفاء ورحمة للمؤمنين، أي يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق، وشرك وزيع وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله‏.‏ وهو أيضاً رحمة، يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه، واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك؛ فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعداً وكفراً، والآفة من الكافر لا من القرآن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد‏}‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون‏}‏، قال قتادة‏:‏ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ورعاه ‏{‏ولا يزيد الظالمين إلا خسارا‏}‏‏:‏ أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن اللّه جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 83 ‏:‏ 84‏)‏

‏{‏ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا ‏.‏ قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ‏}‏

يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه اللّه تعالى في حالتي السراء والضراء، فإنه إذا أنعم اللّه عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة اللّه وعبادته، ونأى بجانبه‏.‏ قال مجاهد‏:‏ بَعُد عنا، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما نجاكم إلى البر أعرضتم‏}‏، وبأنه إذا مسه الشر وهو المصائب والحوادث والنوائب ‏{‏كان يؤوسا‏}‏ أي قنط أن يعود، يحصل له بعد ذلك خير، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته، ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل كل يعمل على شاكلته‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ على ناحيته، وقال مجاهد‏:‏ على حدته وطبيعته، وقال قتادة‏:‏ على نيته، وقال ابن زيد‏:‏ على دينه، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وهذه الآية - واللّه أعلم - تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم‏}‏ الآية‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا‏}‏ أي منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله، فإنه لا تخفى عليه خافية‏.‏

 الآية رقم ‏(‏85‏)‏

‏{‏ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ‏}‏

عن عبد اللّه هو ابن مسعود رضي اللّه عنه، قال‏:‏ كنت أمشي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حرث في المدينة وهو متوكئ على عسيب، فمر يقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض‏:‏ سلوه عن الروح، وقال بعضهم‏:‏ لا تسألوه، قال‏:‏ فسألوه عن الروح، فقالوا‏:‏ يا محمد ما الروح‏؟‏ فما زال متوكئاً على العسيب، قال‏:‏ فظننت أنه يوحى إليه، فقال‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏ قال، فقال بعضهم لبعض‏:‏ قد قلنا لكم لا تسألوه ‏"‏أخرجه البخاري ورواه أحمد واللفظ له عن عبد اللّه بن مسعود‏"‏‏.‏ وهذا السياق يقتضي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية‏.‏ وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية ‏{‏ويسألونك عن الروح‏}‏، ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة، ما قال الإمام أحمد، عن ابن عباس قال‏:‏ قالت قريش ليهود‏:‏ أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏ قالوا‏:‏ أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، قال، وأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر‏}‏ الآية‏.‏ وقد روى ابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ سأل أهل الكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الروح، فأنزل اللّه ‏{‏ويسألونك عن الروح‏}‏ الآية، فقالوا‏:‏ تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ‏{‏ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا‏}‏‏.‏ قال‏:‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه‏}‏ الآية‏.‏

وقال محمد بن إسحاق، عن عطاء بن يسار قال‏:‏ نزلت بمكة ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏، فلما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار يهود، وقالوا‏:‏ يا محمد‏!‏ ألم يبلغنا عنك أنك تقول ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏ أفعنيتنا أم عنيت قومك‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏كلاً قد عنيت‏)‏، فقالوا‏:‏ إنك تتلو أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏

‏(‏هي في علم اللّه قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به انتفعتم‏)‏ وأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه إن اللّه عزيز حكيم‏}‏، وقد

اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا على أقوال‏:‏ أحدها أن المراد أرواح بني آدم، عن ابن عباس أن اليهود قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم أخبرنا عن الروح وكيف تعذب الروح التي في الجسد‏؟‏ ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فأتاه جبريل فقال له‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏‏.‏ فأخبرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك‏.‏ فقالوا‏:‏ من جاءك بهذا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏جاءني به جبريل من عند اللّه‏)‏، فقالوا له‏:‏ واللّه ما قاله لك إلا عدونا، فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك مصدقا بإذن اللّه مصدقا لما بين يديه‏}‏، وقيل‏:‏ المراد بالروم ههنا جبريل، قاله قتادة، وقيل‏:‏ المراد به ههنا، ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي‏}‏‏:‏ أي من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏ أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى، والمعنى أن علمكم في علم اللّه قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى‏.‏ وسيأتي إن شاء اللّه في قصة موسى والخضر، أن الخضر قال‏:‏ يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم اللّه إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏}‏‏.‏ وقال السهيلي، قال بعض الناس‏:‏ لم يجبهم عما سألوا لأنهم سألوا من وجه التعنت، وقيل أجابهم، ثم ذكر السهيلي‏:‏ الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر‏:‏ أنها ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وحاصل القول‏:‏ إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه، لا من كل وجه، وهذا معنى حسن، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏86 ‏:‏ 89‏)‏

‏{‏ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ‏.‏ إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا ‏.‏ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ‏.‏ ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ‏}‏

يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم صلى اللّه عليه وسلم، فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثال ولا عديل‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولقد صرفنا للناس‏}‏ الآية، أي بينا لهم الحجج، والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا ‏{‏فأبى أكثر الناس إلا كفورا‏}‏ أي جحوداً للحق، ورداً للصواب‏.‏

 الآية رقم ‏(‏90 ‏:‏ 93‏)‏

‏{‏ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ‏.‏ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ‏.‏ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ‏.‏ أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ‏}‏

قال ابن جرير عن ابن عباس‏:‏ إن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان ابن حرب، وأبا البختري، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد اللّه بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض‏:‏ ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا‏:‏ يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا واللّه ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك‏.‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم‏)‏ فقالوا‏:‏ يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلاداً، ولا أقل مالاً، ولا اشد عيشاً منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجّر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، ويبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا، منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل‏؟‏ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند اللّه، وأنه بعثك رسولاً، كما تقول، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند اللّه بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم الله بيني وبينكم‏)‏ قالوا‏:‏ فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم‏!‏ فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن اللّه بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم‏)‏ قالوا‏:‏ فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل‏.‏ فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ذلك إلى اللّه إن شاء فعل بك ذلك‏)‏، فقالوا‏:‏ يا محمد‏!‏ أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا واللّه لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما واللّه لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا‏.‏

فلما قالوا ذلك، قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة بنة عبد المطلب، فقال‏:‏ يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من اللّه فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فواللّه لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم اللّه لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً، لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه ‏"‏أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما‏"‏‏.‏ ولو علم اللّه منهم أنهم يسألون ذلك استرشاداً لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفراً وعناداً، فقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال‏:‏ ‏(‏بل تقتح عليهم باب التوبة والرحمة‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا‏}‏ الينبوع‏:‏ العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عيناً معيناً في أرض الحجاز ههنا وههنا، وذلك سهل على اللّه تعالى يسير لو شاء لفعله ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم‏}‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو تسقط السماء كما زعمت‏}‏ أي أنك وعدتنا يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهي وتدلي أطرافها فعجّلْ ذلك في الدينا، وأسقطها كسفاً أي قطعاً، كذلك سألو قوم شعيب فقالوا‏:‏ ‏{‏أسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين‏}‏، فعاقبهم اللّه بعذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبي الرحمة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجليهم، لعل اللّه يخرج من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً، وكذلك وقع، فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى عبد اللّه بن أبي أميه الذي تبع النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال له ما قال، أسلم إسلاماً وأناب إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يكون لك بيت من زخرف‏}‏‏.‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ هو الذهب، أي يكون لك بيت من ذهب، ‏{‏أو ترقى في السماء‏}‏ أي تصعد في سلم، ونحن ننظر إليك، ‏{‏ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه‏}‏، قال مجاهد‏:‏ أي مكتوب فيه، إلى كل واحد صحيفة، هذا كتاب من اللّه لفلان بن فلان تصبح موضوعة عند رأسه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا‏}‏ أي سبحانه وتعالى وتقدس، أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وأمركم فيما سألتم إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وعن أبي أمامة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏عرض علي ربي عزَّ وجلَّ ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت‏:‏ لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً - أو نحو ذلك - فإن جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏93 ‏:‏ 95‏)‏

‏{‏ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ‏.‏ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وما منع الناس‏}‏ أي أكثرهم، ‏{‏أن يؤمنوا‏}‏ ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلاً كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس‏}‏‏؟‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشرا يهدوننا‏}‏ الآية‏.‏ وقال فرعون وملؤه‏:‏ ‏{‏أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون‏}‏‏؟‏ وكذلك قالت الأمم لرسلهم‏:‏ ‏{‏إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين‏}‏، والآيات في هذا كثيرة، ثم قال تعالى منبهاً على لطفه ورحمته بعباده، أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولاً من الملائكة لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون‏}‏، ولهذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين‏}‏ أي كما أنتم فيها ‏{‏لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا‏}‏ أي من جنسهم، ولّما كنتم أنتم بشراً بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفاً ورحمة‏.‏

 

الآية رقم ‏(‏96‏)‏

‏{‏ قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ‏}‏

يقول تعالى مرشداً نبيّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الحجة على قومه، في صدق ما جاءهم به إنه شاهد علي وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذباً عليه لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان بعباده خبيرا بصيرا‏}‏‏:‏ أي عليماً بهم، بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، من يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال‏:‏

 الآية رقم ‏(‏97‏)‏

‏{‏ ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه، أي يهدونهم، كما قال‏:‏ ‏{‏من يهد اللّه فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم‏}‏، عن أنَس بن مالك‏:‏ قيل يا رسول اللّه كيف يحشر الناس على وجوههم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم‏)‏ ‏"‏أخرجه الشيخان والإمام أحمد‏"‏‏.‏ وعن حذيفة بن أسيد قال، قام أبو ذر فقال‏:‏ يا بني غفار قولوا ولا تحلفوا فإن الصادق المصدوق حدثني‏:‏ أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج، فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار ‏"‏أخرجه الإمام أحمد‏"‏‏.‏ وقوله ‏{‏عميا‏}‏ أي لا يبصرون ‏{‏وبكما‏}‏ يعني لا ينطقون ‏{‏وصما‏}‏ لا يسمعون، وهذا يكون في حال دون حال، جزاء لهم كما كانوا في الدنيا، بكماً وعمياً وصماً عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه، ‏{‏مأواهم‏}‏ أي منقلبهم ومصيرهم ‏{‏جهنم كلما خبت‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ سكنت، وقال مجاهد‏:‏ طفئت ‏{‏زدناهم سعيرا‏}‏ أي لهباً ووهجاً وجمراً، كما قال‏:‏ ‏{‏فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏98 ‏:‏ 99‏)‏

‏{‏ ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ‏.‏ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا ‏}‏

يقول تعالى هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمى والبكم والصمم جزاؤهم الذي يستحقونه، لأنهم كذبوا ‏{‏بآياتنا‏}‏ أي بأدلتنا وحجتنا، واستبعدوا وقوع البعث، ‏{‏وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا‏}‏، أي بالية نخرة ‏{‏أئنا لمبعوثون خلقا جديدا‏}‏ أي بعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه، من البلى والهلاك، والتفرق والذهاب في الأرض، نعاد مرة ثانية‏؟‏ فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك، كما قال‏:‏ ‏{‏لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏أولم يروا أن اللّه الذي خلق السماوات والأرض، ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى‏}‏ الآية، وقال‏:‏ ‏{‏أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم، وقال ههنا‏:‏ ‏{‏أولم يروا أن اللّه الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم‏}‏ أي يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى، كما بدأهم، وقوله‏:‏ ‏{‏وجعل لهم أجلا لا ريب فيه‏}‏ أي جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلاً مضروباً ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما نؤخره إلا لأجل معدود‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فأبى الظالمون‏}‏ أي بعد قيام الحجة عليهم ‏{‏إلا كفورا‏}‏‏:‏ إلا تمادياً في باطلهم وضلالهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏100‏)‏

‏{‏ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ‏}‏

يقول تعالى لرسوله صلوات اللّه وسلامه عليه، قل لهم يا محمد‏:‏ لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن اللّه، لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس‏:‏ أي الفقر، أي خشية أن تُذْهبوها، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبداً؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وكان الإنسان قتورا‏}‏ قال ابن عباس وقتادة‏:‏ أي بخيلاً منوعاً، وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً‏}‏ أي لو أن لهم نصيباً في ملك اللّه لما أعطوا أحداً شيئاً، ولا مقدار نقير، واللّه تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه اللّه وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين‏}‏ ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه‏.‏ وقد جاء في الصحيحين‏:‏ ‏(‏يد اللّه ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه‏؟‏‏)‏

 الآية رقم ‏(‏101 ‏:‏ 104‏)‏

‏{‏ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ‏.‏ قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ‏.‏ فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا ‏.‏ وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ‏}‏

يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه، فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي ‏(‏العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم‏)‏ آيات مفصلات، قاله ابن عباس، وقال محمد بن كعب‏:‏ هي اليد والعصا والخمس في الأعراف والطمس والحجر، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد‏:‏ ‏"‏هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم‏"‏، وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري‏:‏ السنين ونقص الثمرات واحدة؛ وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون، ‏{‏فاسكتبروا وكانوا قوما مجرمين‏}‏ أي ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها كفروا بها وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً وما نجعت فيهم؛ فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذي سألوا منك ما سألوا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء اللّه، كما قال فرعون لموسى - وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات - ‏{‏إني لأظنك يا موسى مسحورا‏}‏ قيل‏:‏ بمعنى ساحر، واللّه تعالى أعلم‏.‏ فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة ههنا، وهي المعنية في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف - إلى قوله في تسع آيات - إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين‏}‏، فذكر هاتين الآيتين العصا واليد، وبيَّن الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصّلها، وقد أوتي موسى عليه السلام آيات أخر كثيرة‏:‏ منها ضربة الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم، فخالفوها وعاندوها كفراً وجحوداً‏.‏

ولهذا قال موسى لفرعون‏:‏ ‏{‏لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر‏}‏ أي حججاً وأدلة على صدق ما جئتك به، ‏{‏وإني لأظنك يا فرعون مثبورا‏}‏ أي هالكاً، قاله مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس‏:‏ ملعوناً، وقال الضحّاك ‏{‏مثبورا‏}‏‏:‏ أي مغلوباً ‏"‏وهو قول لابن عباس أيضاً‏"‏، والهالك كما قال مجاهد، يشمل هذا كله‏.‏ ويدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وقوله‏:‏ ‏{‏فأراد أن يستفزهم من الأرض‏}‏ أي يخليهم منها ويزيلهم عنها ‏{‏فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض‏}‏، وفي هذا بشارة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم بفتح مكة مع أن السورة مكية، نزلت قبل الهجرة وكذلك وقع فإن أهل مكة همّوا بإخراج الرسول منها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها‏}‏ الآيتين، ولهذا أورث اللّه رسوله مكة فدخلها عنوة وقهر أهلها ثم أطلقهم حلماً وكرماً، كما أورث اللّه القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال‏:‏ كذلك وأورثناها بني إسرائيل، وقال ههنا‏:‏ ‏{‏وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا‏}‏ أي جميعكم أنتم وعدوكم، قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏لفيفا‏}‏ أي جميعاً ‏"‏وهو قول مجاهد وقتادة والضحّاك‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏105 ‏:‏ 106‏)‏

‏{‏ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ‏.‏ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد، إنه بالحق نزل، أي متضمناً للحق، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون‏}‏ أي متضمناً علم اللّه الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه ونهيه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبالحق نزل‏}‏ أي ونزل إليك يا محمد محفوظاً محروساً، لم يشب بغيره ولا زيد فيه، ولا نقص منه، بل وصل إليك بالحق فإنه نزل به شديد القوى، الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى، وقوله‏:‏ ‏{‏وما أرسلناك‏}‏ أي يا محمد ‏{‏إلا مبشرا ونذيرا‏}‏ مبشراً لمن أطاعك من المؤمنين، ونذيراً لمن عصاك من الكافرين، وقوله‏:‏ ‏{‏وقرآنا فرقناه‏}‏ بالتخفيف، ومعناه فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقاً منجماً في ثلاث وعشرين سنة، قاله ابن عباس، وعن ابن عباس ‏{‏فرَّقناه‏}‏ بالتشديد أي أنزلناه آية آية مبيناً مفسراً، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لتقرأه على الناس‏}‏ أي لتبلغه الناس وتتلوه عليهم ‏{‏على مكث‏}‏ أي مهل ‏{‏ونزلناه تنزيلا‏}‏ شيئاً بعد شيء‏.‏

 الآية رقم ‏(‏107 ‏:‏ 109‏)‏

‏{‏ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ‏.‏ ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ‏.‏ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ‏}‏

يقول تعالى لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم ‏{‏آمنوا به أو لا تؤمنوا‏}‏ أي سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه أنزله اللّه، ونوّه بذكره في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال ‏{‏إن الذين أوتوا العلم من قبله‏}‏ أي من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ولم يبدلوه ولا حرفوه ‏{‏إذا يتلى عليهم‏}‏ هذا القرآن ‏{‏يخرون للأذقان‏}‏ جمع ذقن، وهو أسفل الوجه ‏{‏سجدا‏}‏ أي للّه عزَّ وجلَّ، شكراً على ما أنعم به عليهم، ولهذا يقولون ‏{‏سبحان ربنا‏}‏ أي تعظيماً وتوقيراً على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد، ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏إن كان وعد ربنا لمفعولا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ويخرون للأذقان يبكون‏}‏ أي خضوعاً للّه عزَّ وجلَّ، وإيماناً وتصديقاً بكتابه ورسوله، ‏{‏ويزيدهم خشوعا‏}‏ أي إيماناً وتسليماً، كما قال‏:‏ ‏{‏والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏110 ‏:‏ 111‏)‏

‏{‏ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ‏.‏ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة للّه عزّ وجلّ، المانعين من تسميته بالرحمن، ‏{‏ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى‏}‏ أي لا فرق بين دعائكم به باسم ‏{‏اللّه‏}‏ أو باسم ‏{‏الرحمن‏}‏ فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏له الأسماء الحسنى، يسبّح له ما في السموات والأرض‏}‏ الآية‏.‏ وقد روى مكحول أن رجلاً من المشركين سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول في سجوده‏:‏ ‏(‏يا رحمن يا رحيم‏)‏، فقال إنه يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو اثنين فأنزل اللّه هذه الآية، وكذا روي عن ابن عباس رواهما ابن جرير ‏"‏أخرج البخاري عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت ورسول اللّه متخف بمكة، وكان إذا صلّى بأصحابه ورفع صوته بالقرآن، فكان المشركون إذا سمعوا القرآن سبوه ومن أنزله ومن جاء به فنزلت‏.‏ وأخرج البخاري أيضاً عن عائشة‏:‏ أنها نزلت في الدعاء، وأخرج ابن جرير مثله، ثم رجح الأول لأنها أصح سنداً، وكذا رجحها النووي وغيره، وقال الحافظ ابن حجر‏:‏ لكن يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة‏.‏ وأخرج ابن جري والحاكم عن عائشة‏:‏ أنها نزلت في التشهد، وهي مبينة لمرادها في الرواية السابقة‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏، عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متوار بمكة، ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏}‏‏:‏ قال كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال، فقال اللّه تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏‏:‏ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن، ‏{‏ولا تخافت بها‏}‏ عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، ‏{‏وابتغ بين ذلك سبيلا‏}‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عباس‏"‏‏.‏ وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع منهم دونهم فرقاً منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته صلى اللّه عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً، فأنزل اللّه ‏{‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏ فيتفرقوا عنك ‏{‏ولا تخافت بها‏}‏ أي فلا يسمع من أراد أن يسمع فينتفع به، ‏{‏وابتغ بين ذلك سبيلا‏}‏‏.‏ قال ابن جرير، عن محمد بن سيرين، قال‏:‏ نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر لم تصنع هذا‏؟‏ قال‏:‏ أناجي ربي عزَّ وجلَّ وقد علم حاجتي، فقيل أحسنت، وقيل لعمر‏:‏ لم تصنع هذا‏؟‏ قال‏:‏ أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل‏:‏ أحسنت فلما نزلت‏:‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا‏}‏ قيل لأبي بكر‏:‏ ارفع شيئاً، وقيل لعمر‏:‏ اخفض شيئاً‏.‏ وقال عكرمة، عن ابن عباس‏:‏ نزلت في الدعاء، وقوله‏:‏ ‏{‏وقل الحمد للّه الذي لم يتخذ ولدا‏}‏ لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص، فقال‏:‏ ‏{‏وقل الحمد للّه الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك‏}‏، بل هو اللّه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ‏{‏ولم يكن له ولي من الذل‏}‏ أي ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له ولي، أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له، قال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏ولم يكن له ولي من الذل‏}‏‏:‏ لم يحالف أحداً، ولم يبتغ نصر أحد، ‏{‏وكبره تكبيرا‏}‏ أي عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون علواً كبيراً‏.‏